الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

326

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الشرع ، فهو ضد القربة فيكون معنى فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أنهما يتسبب منهما ما هو إثم في حال العربدة وحال الربح والخسارة من التشاجر . وإطلاق الكبير على الإثم مجاز ، لأنه ليس من الأجسام ، فالمراد من الكبير : الشديد في نوعه كما تقدم آنفا . وجيء بفي الدالة على الظرفية لإفادة شدة تعلق الإثم والمنفعة بهما ؛ لأن الظرفية أشد أنواع التعلق ، وهي هنا ظرفية مجازية شائعة في كلام العرب ، وجعلت الظرفية متعلقة بذات الخمر والميسر للمبالغة ، والمراد في استعمالهما المعتاد . واختير التعبير بالإثم للدلالة على أنه يعود على متعاطي شربها بالعقوبة في الدنيا والآخرة . وقرأ الجمهور إِثْمٌ كَبِيرٌ بموحّدة بعد الكاف وقرأه حمزة والكسائي ( كثير ) بالثاء المثلثة ، وهو مجازا استعير وصف الكثير للشديد تشبيها لقوة الكيفية بوفرة العدد . والمنافع : جمع منفعة ، وهي اسم على وزن مفعلة وأصله يحتمل أن يكون مصدرا ميميا قصد منه قوة النفع ، لأن المصدر الميمي أبلغ من جهة زيادة المبنى . ويحتمل أن يكون اسم مكان دالا على كثرة ما فيه كقولهم مسبعة ومقبرة أي يكثر فيهما النفع من قبيل قولهم مصلحة ومفسدة ، فالمنفعة على كل حال أبلغ من النفع . والإثم الذي في الخمر نشأ عما يترتب على شربها تارة من الإفراط فيه والعربدة من تشاجر يجر إلى البغضاء والصد عن سبيل اللّه وعن الصلاة ، وفيها ذهاب العقل والتعرض للسخرية ، وفيها ذهاب المال في شربها ، وفي الإنفاق على الندامى حتى كانوا ربما رهنوا ثيابهم عند الخمارين قال عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي : ولسنا بشرب أمّ عمرو إذا انتشوا * ثياب الندامى عندهم كالمغانم ولكننا يا أمّ عمرو نديمنا * بمنزلة الريّان ليس بعائم وقال عنترة : وإذا سكرت فإنني مستهلك * مالي وعرضي وافر لم يكلم وكانوا يشترون الخمر بأثمان غالية ويعدون المماكسة في ثمنها عيبا ، قال لبيد : أغلي السّباء بكل أدكن عاتق * أو جونة قدحت وفضّ ختامها